Featured Video

2017/04/23

سحر الفراغ




كنت شخصًا يحب الاحتفاظ بكل شيء. ذاكرتي المادية تحوي قراطيس، قصاصات، قطع قماشية، ودمى. قطع متناثرة كل منها يحمل ذكرى أو موقف أو مناسبة. خزائني ممتلئة دون حاجة بأشياء مختلفة قد أستخدمها وقت الحاجة ونادرًا ما تأتي تلك الحاجة. لم أتوقف يومًا للتفكير بوقف عجلة الاستهلاك تلك بالرغم من ما تعرضت له من مواقف شتى أراها كانت مؤشرات تنبهني لذلك لكن لم أكن جاهزة للتعلم منها.
فبعد أن مكثت سبعة أشهر في شقة سكنية مؤثثة في مدينة مانشستر البريطانية حان وقت الانتقال إلى مدينة نوتنجهام. لأتفاجأ بأن  عدد الصناديق المنقولة جاوز 25 صندوقًا أختلف محتواها بين أواني منزلية ومستلزمات شخصية !
كيف قمت بجمع كل تلك الصناديق ! لا أعرف ..
بالرغم من ذلك لم أتعلم الدرس فاحتجت إلى صيفين كاملين لأفرغ شقتي السكنية في مدينة نوتنجهام التي قطنتها لمدة سبع سنوات.
حتى كان وانتقلت للعيش في منزل صديقتي نوف لمدة شهرين أثناء عملي على تعديل رسالة الدكتوراه. شقتها كانت تشبه شقتي في المساحة إلا أن الفراغ فيها جعلها أكثر اتساعًا وأبرز جمالها أكثر. فقد كانت لا تشتري من الأثاث إلا ما تحتاجه بالفعل. أريكة واحدة مزدوجة، سجادة أرضية صغيرة، مكتب للعمل، لا حاجة للتلفاز فلديها شاشة حاسب كبيرة، عدد محدد من الأواني المنزلية والتي بالكاد تكفي شخصين. كل شيء كان في منزلها بقدر.

ولأني لا أؤمن بعشوائية الصدف فإني أدركت لاحقًا أن فترة مكوثي في منزلها هي درس واقعي لأعي جمال الفراغ. فعدت بعدها وقد ألزمت نفسي بأن أعيد ترتيب حياتي لأخلق أكبر قدر من مساحة الفراغ حولي.

في العام الماضي تعرفت على النموذج الياباني في التنظيم والترتيب (Konmari Method) والذي قامت الاستشارية ماري كوندو بشرحه بإسهاب في كتابها (يتوفر حاليًا بنسخة عربية) وفي كثير من الفيديوهات التعليمية التي تعرض طرق الترتيب ووخطواته وأثره الإيجابي المنعكس على النفس والمكان.

ولمشاركة تجربتي في التخلص من الأغراض الزائدة عن حاجتي و الأدوات والجهات التي ساعدتني في ذلك، سأسرد ما يلي على شكل نقاط:

  • توقفت نهائيًا عن شراء التحف المنزلية، والشموع وخلافها. واكتفيت بتزيين المساحات بالنباتات الطبيعية
  • عمل جرد دوري للخزائن مع الحرص على تخصيص مساحة لكل نوع من المستلزمات
  • عدم تكديس القطع فوق بعضها بحيث تحجب رؤيتها
  • التخلص من أي مستلزم شخصي لم يتم استخدامه خلال السنوات الثلاث الماضية مهما كان ! 
  • عدم شراء أي مستلزم جديد دون معرفة لماذا سأستخدمه ومتى ؟!
  • القيام بذلك كله بعيدًا عن أعين عائلتي، فالآخرين يحيون لديك رغبة التملك وغالبًا ما يثنونك عن فعلتك
  • عدم الرضوخ لتوسلات الأشخاص باستبقاء أي غرض لم تستخدمه لفترة طويلة مهما كان
  • استمعت إلى بودكاست يتحدث عن كيفية فصل مشاعر الارتباط بالقطع المادية ومساعدتك في التخلص منها. تتضمنت نصائحهم تخصيص صندوق تجمع فيه جميع القطع المراد التخلص منها وتخزينها في مكان بعيد كالمرآب لمدة سنتين. في حال لم يتم فتح الصندوق خلال هذه الفترة، يتم التخلص منه بسرعة دون فتحه حتى لا تعاود مشاعر الارتباط إلى نفسك
  • استخدام التطبيق الهاتفي الخاص بنموذج كون ماري للتنظيم والترتيب. فكرة التطبيق تبدأ بتسجيلك لمساحة المسكن الذي تقطنه، وسيقوم التطبيق بعرض مشاركة الآخرين لأفكارهم وحيلهم الذكية في الترتيب بمساحات تشابه مساحة مسكنك المختار.

تطبيق كون ماري متوفر حاليًا على منصة iOS فقط


  •  بالنسبة للأجهزة الإلكترونية، فالتخلص من أجهزة الحاسب القديمة المكتبية منها والمتنقلة بات سهلاً. فجمعية إرتقاء في المملكة العربية السعودية تهدف إلى تطوير المجتمع وحماية البيئة وذلك بإتاحة الفرص للتخلص من أجهزة الحاسب القديمة وإعادة تأهليها ثم التبرع بها إلى جهات مستفيدة كجمعيات البر. أما النفايات الإلكترونية المنزلية، كالموصلات الكهربائية، الطابعات، أجهزة التحكم، الهواتف والأجهزة اللوحية فتستقبلها شركة داز السعودية لتدوير النفايات الكهربائية والإلكترونية


  • أما بالنسبة للكتب، فمهمة ترتيبها وتنظيمها تعد من أمتع اللحظات. إلا أن تدوير مالايلزم منها أوجبني الشجاعة والإقدام. وبالفعل قمت باستبعاد أي كتاب قرأته ولم أعد إليه لأكثر من خمس سنوات ولم يعد يمثَل لي مرجعًا. مثل روايات قرأتها وانتهيت منها، أو كتب معلومات عامة قديمة استجدت وسهل الحصول على الجديد منها عبر الانترنت.
    بعد أن حصرت الكتب المستبعدة، قمت بتقسيمها إلى مجموعات وعرض صورها على أصدقائي وأعضاء أندية القراءة المشتركة فيها لمن يرغب في اقتناءها. 



وأخيرًا، بعد أن تنتهي حفلة التنظيم والترتيب، أقوم بلصق ملصق ملون على كل خزانة تم ترتيبها حتى لا أعاود فتحها مجددًا والتخلص من ما تبقي! فعادة التخلص مؤذية تمامًا كحب التملك. ما أن تذوق حلاوة التحرر من الماديات تجد نفسك وقد انجرفت للتخلص من الأساسيات والتفاجؤ بعدم امتلاكها.



*****    *****

نظرة: جوهر الروح هو الحرية، وجوهر المادة هو الكم (جورج هيجل)

2017/01/01

البدايات الجديدة



بداية اليوم، الأسبوع، الشهر أو السنة .. تلك هي البدايات، منعشة شيقة مهما اختلفت. ومع كل بداية هناك فرص تتحين ساعتها لتشرق على حياتنا لتملأها أملاً وحيوية.

أجد نفسي في البدايات، حين تكون الأهداف وليدة، حين أقضي أول الساعات أخط الجداول وأقسم المهام. فهذه قائمة اليوم، تليها قائمة الأسبوع لتكبر أكثر فتصبح قائمة شهرية لتصب في النهاية في بحر الأهداف السنوية الكبيرة وذلك سر التخطيط الناجح.

السر يكمن في التبسيط الذي يتبعه الالتزام. وهذا هو المنهج الذي اتبعه مؤخرًا بعد أن تنقلت بين الكثير والكثير من أساليب التخطيط المختلفة. ويعود الفضل إلى ذلك إلى محاضرة للدكتور جاسم المطوع حضرتها قبل عدة أشهر. شرح فيها آلية تقسيم الأهداف إلى أهداف صغيرة جدًا على فئات رئيسة تنوعت بين العبادة، التعليم، الترفيه، المال والعلاقات. وشدد الحرص على التوقف عند كل إنجاز صغير للاحتفال به. لهذا أصبحت أقوم بحصر إنجازاتي الشهرية بورقة ألصقها في نهاية كل شهر من أجندتي الصغيرة، ومع انقضاء الشهر أجلس مع نفسي جلسة احتفاء أو مراجعة على حسب أدائي فيه.





دائرة الحياة التي تستخدم للتخطيط وخلق التوازن بين نواحي الحياة المختلفة
 Wheel of Life


وللعودة إلى منهج التبسيط، لابد من الحديث عن التخطيط اليومي والذي يمثل العصب الأساسي للنجاح. بشكل بديهي تكون أيام الأسبوع منظمة ومجدولة كل حسب طبيعة عمله. إلا أن المشكلة تبدا بالظهور في أيام العطل الأسبوعية أو الفصلية. في الأخيرة، وجدت أن الطريقة الأفضل بالنسبة لي هي أن أقوم بتقسيم اليوم بناءًا على أوقات الصلوات الخمس. وجعل أوقات الصلاة كفترة استراحة بين القيام بالمهام اليومية. اتباع هذه الخطة ساهم في تنظيم أيام العطل والإجازات وجعلها أكثر فعالية.

 لكن ماذا عن طقوسي الشخصية مع مطلع كل عام؟
اعتدت أن أبدأ التحضير للعام الجديد قبل بدءه بشهور، وذلك بشراء أجندة جديدة انتقيها بعناية شديدة وأتخيرها ملهمة في كل شيء، ابتداءًا من لونها إلى ملمس ورقها.
ثم اقوم بتجهيز قوائم لأهداف شهرية أود تحقيقها خلال العام، مع كثير من الوعود التي أقطعها على نفسي  والتي ساعدتي نعمة التقنية على الالتزام بها، كالاهتمام بصحتي، وتقنين الأوقات الضائعة، أو زيادة حصيلتي اللغوية. فمثلاً تطبيق Goodreads يسهل عملية وضع أهداف المطالعة السنوية ومشاركتها مع الآخرين. ومع التزامي بهذا التطبيق استطعت أن أرفع عدد الكتب السنوية المقروئة من 22 كتاب في عام 2015 لتصبح 30 كتاب في العام 2016.

ولايكاد يمر مطلع عام دون أن أسن عادة حسنة أو أقلع عن غيرها. فقد تمكنت قبل عامين من التوقف تمامًا عن وضع السكر في المشروبات في موقف طريف كان البطل فيها قوة عقلي الباطن بعد أن عانيت من تكرار محاولات الفشل بالتوقف عنه. في المقابل أمضيت عامًا كاملًا آخر بالتدوين اليومي وكتبت عن ذلك تدوينة مفصلة



هذا العام ألزمت نفسي بأهداف شخصية مقننة جدًا بغية التركيز على تحقيقها بإذن الله، وإلى جانب ذلك فقد اقتنيت كراستين. الأولى، كراسة متابعة يومية لتسجيل أدائي نحو أهداف هذا العام. أما الأخرى فهي لمشروع بدأته مع صديقاتي حول الكتابة، ثم محورته استلهامًا من المبدعة خديجة سندي ليصبح مشروع يومي لكتابة 365 تدوينة صغيرة.

ولا يمكني إنهاء هذه التدوينة دون التدرج إلى دورة رتبني 2017 والتي قامت الملهمة نماء شام بتنظيمها على الانترنت عبر مدونتها بشكل بديع، وأحسنت بتبسيط مفهوم التخطيط وآليته. كما دعمت عملها بكثير أوراق العمل المحفزة وأثرت رسائلها بالمراجع القيمة والمصادر المختلفة لمن رغب بالاستزادة.

ومادامت أرواحنا تستيقظ كل صباح فهي رسالة ربانية فيها من اللطائف ما يكفي لجعل أحلامنا الكبيرة واقعية وأهدافنا البعيدة نصب أعيننا

ودمتم ،،

******

نظرة: اللهم لقنا رسالتنا على الأرض وارزقنا العمل بها على الوجه الذي يرضيك عنا

2016/10/14

اقلب العملة !



تؤمن الجامعات البريطانية كغيرها من الجامعات العالمية بأهمية استثمار العلاقات مع طلبتها الخريجين والحرص على استمراريتها. وفي لفتة لطيفة تكمل ما تقوم به الجامعات، أقامت القنصلية البريطانية  في مدينة جدة على غرار مثيلاتها العشاء السنوي للطلبة السعوديين من خريجي جامعاتها لتوثيق عرى التواصل ومد جسور بينها وبين خريجيها في البلد الواحد.





تلقيت دعوة العشاء بعد انضمامي مؤخرًا إلى شبكة خريجي الجامعات البريطانية في السعودية. معرفتي بهذه الشبكة كان عن طريق الإعلان عن جوائز خريجي التعليم البريطاني عام 2016. هذه الجائزة قادتني للتعرف أكثر على الفرص التعليمية التي يقدمها المجلس البريطاني، كبرامج دعم الأبحاث بعد الدكتوراه، أو الفعاليات والورش التدريبية.

قدم رواق العشاء فرصًا جميلة للالتقاء بأصدقاء قدامي و زملاء دراسة كنت قد التقيت بهم في محافل علمية أثناء دراستنا في بريطانيا. وفي تلك الأجواء السعودية البريطانية المفعمة بالذكريات كان الجميع يقوم ببداهة وعفوية بتقديم نفسه تبعًا لاسم جامعته البريطانية وكأننا لازلنا طلبة فيها. أخذتنا الأحاديث إلى حيث مشاعر الحنين للغربة، الثراء الثقافي في بريطانيا، نصائح وتجارب التأقلم بعد العودة، نقل الخبرات التعليمية وتطبيقها، وفرص التعاون بين ذوي الاختصاص الواحد.

وما أن بدأ برنامج الحفل، حتى ألقى القنصل البريطاني كلمته الترحيبية يشيد فيها بالحضور وبأهمية دورنا كسفراء شرف لبريطانيا في بلدنا. لأول مرة ترد على مسامعي هذه العبارة، فقد اعتدنا على دورنا المناط بنا اتجاه تمثيل بلدنا في الدول الأخرى. إلا أن عبارة القنصل البريطاني جعلتني أتوقف كثيرًا واقلب العملة لأكشف عن الدور الحقيقي الذي نمثله بترجمة الخبرات والمهارات التي تلقيناها هناك إلى أفعال تترك أثرها الحميد هنا. 

حينها جال في خاطري موقف مررت به هذا الأسبوع مع إحدى الطالبات التي حضرت إلى مكتبي لمناقشة فكرة نشاط طلابي. تجاذب أطراف الحديث معها كشف عن ارتباطنا بمدينة نوتنجهام، فكلانا قد قضى زمنًا من عمره فيها. قالت: منذ أن علمت أن مؤهلك العلمي كان من بريطانيا أيقنت أني أمام شخصية مختلفة، شخصية يظهر فيها السلوك البريطاني جليًا.

التفكر في كلا الموقفين جعلني أتساءل عن هذا الاختلاف الذي تركته التجربة البريطانية في سلوكياتنا؟ 
أهي الجدية التي تميزنا، أم المهنية، أم روح المبادرة، أم الطموح، أم المثابرة، أم هي كلها مجتمعة ؟ .. على مايبدو لا سبيل لحصرها في شيء واحد. 

لكن يبقى اعتزازنا بتلك الصروح العريقة التي احتضنت أحلامنا الكبيرة حتى غدت إنجازات مميزة وسام فخر على صدورنا، وجزء لا يتجزأ من هويتنا.  



2016/07/22

في مقهى الجزيرة الإعلامي



منذ انطلاقتها في العام 1996 وحتى الآن، تعتبر قناة الجزيرة القناة التلفزيونية الإخبارية المعتمدة في منزلنا. فما تكاد أحداث تقع إلا وتتنادى الأصوات بنقل شاشة التلفاز إلى بث الجزيرة. ذلك البث الذي احترم عقل المشاهد العربي بمصداقية النقل والعرض. فما هي إلا سنوات قليلة حتى اتخذت بقوتها الإعلامية مكانًا معلومًا بين مصاف القنوات الإخبارية العالمية. وكم كنت لا أكتف فخرًا في كل مرة أرى الشاشة الكبيرة الموجودة في بهو المطعم الرئيسي في جامعة نوتنجهام وقد ازدانت ببث قناة الجزيرة الإخبارية بالرغم من وجود قناة الـ BBC البريطانية العريقة.

أثناء تواجدي في دولة قطر الحبيبة، انتهزت الفرصة لأزور المقهى الإعلامي لقناة الجزيرة الموجود في الحي الثقافي في كتارا. المقهى الحديث الذي افتتح في شهر مايو عام 2015 ليس كأي مقهى تزوره. فهو يستقبلك كمتحف ضم بين جنباته علامات فارقة في عمر هذه المؤسسة الإعلامية. فمثلاً تلتقي هناك بالكاميرا التلفزيونية التي بثت أول نشرة إخبارية قدمتها قناة الجزيرة للعالم.


الكاميرا التلفزيونية التي انطلقت منها أول نشرة غيرت وجه الإعلام العربي

توثيق المحاولات الخطية لتصميم شعار قناة الجزيرة


 المرسوم الأميري القاضي بإنشاء قناة الجزيرة عام 1996م

ما تبقى من مكتب الجزيرة في بغداد بعد القصف الأمريكي عام 2003

وغيرها من الوثائق والقطع التي تقف شاهدة على تاريخ هذه القناة. ولعل أكثر ما أعجبني في هذا القسم تخليد الجزيرة لمقتنيات شهداءها الذين ضحوا بحياتهم في سبيل نقل الحقيقة للعالم كشهيد الواجب الإعلامي طارق أيوب رحمه الله.

وأثناء التجوال في المقهى صادفتني ردهة الإعلام التفاعلي، وهي عبارة عن قاعة محاكاة ذكية للاستويوهات التصويرية تسمح لك بأن تعيش تجربة البث الإعلامي التلفزيوني المصور وذلك عن طريق اختيارك لنوع النشرة التي تود تقديمها. الردهة مجهزة بأجهزة بث حقيقية ونصوص مكتوبة لمختلف النشرات الإخبارية والرياضية والجوية. إضافة إلى وجود مختصين يقومون بإرشادك أثناء أداءك لتجربتك الإعلامية ومن ثم حفظها على وسائط رقمية تعطى لك للذكرى.

الاستوديو التفاعلي


تجربة الأداء الإعلامي تشمل تقديم نشرات الأخبار والبرامج الحوارية في الاستوديو التفاعلي


أما بقية الأركان الأخرى فتتضمن شاشة بث عملاقة لقناة الجزيرة الإخبارية تملأ المكان، إضافة إلى قاعة استضافة للحفلات الرسمية والمناسبات تستخدمها الجزيرة في البث في بعض الأحيان.







وبعد الانتهاء من التجول في أركان المقهى، اتجهنا لتناول المرطبات لنتفاجأ بوجود طاولات ذكية تفاعلية تستخدم في استطلاع قائمة الطعام وتسجيل الطلبات. كما أنها تتحول إلى شاشة متصلة بالانترنت لمشاهدة بث قنوات الجزيرة المختلفة أو تصفح موقعها الإلكتروني

الطاولات التفاعلية في مقهى الجزيرة

النادلة تطلعنا على كيفية الاستفادة من خدمات الطاولة الذكية المختلفة



وختامًا قبل أن نترك المكان، لابد من التوقف لشراء بعض الهدايا التذكارية التي حملت شعار قناة الجزيرة كذكرى زيارة هذا المقهى الفريد من نوعه.




وبالرغم من ما يثار دائمًا من زوابع حول توجهات قناة الجزيرة الإخبارية أو النهج الذي تنتهجه في ما تقدمه، إلا أنها أثبتت خلال العقدين من الزمن مدى قوتها وقدرتها على تقديم صورة للإعلام العربي الجاد الذي يصعب منافسته.

*** ***
نظرة: الجزيرة هي الرأي .. وهي الرأي الآخر

2016/05/19

سر اللحظة



سر الحياة في اللحظة، وسر السعادة عيش تلك اللحظة متخلصين من عوالق الماضي أو هموم المستقبل.

معرفتي لهذا السر جعلني أسير على درب المعلمين والمدربين مستحضرة جميع مافي جعبتهم من الوصايا والتمارين التي تساعد النفس على عيش هذه اللحظة بجميع الحواس والتركيز على ذلك. فالتركيز يكشف لك عادات سلبية اكتسبتها دون وعي منك تؤثر سلبًا على وقع حياتك اليومية وتخلف حسرة على ضياع عمرك بما لايفيد. مثلاً: تخلصت منذ أكثر من عامين من هوس التصوير في المناسبات والاحتفالات واكتفيت بأن أعيش لحظة الفرح بكل حواسي تاركة مهمة توثيق تلك اللحظات لغيري من الحاضرين.

أما مؤخرًا، فقد تلمست الأثر السلبي الذي تخلفه بعض تطبيقات التواصل الإجتماعي في نفسي ووقتي. ومن أهمها تطبيق سناب شات والذي انشأت حسابي عليه قبل ما يقارب العام. بالرغم من حصر حسابي على نخبة معينة من الأهل والأقارب وبعض المشاهير. إلا أن الأثر السلبي تمثل اً في نقطتين مهمتين:

السبب الأول: هدر وقتي بما لايعود بالنفع علي هو ما جعلني أتخذ قرار العزوف عن استخدام هذا التطبيق. فالمتحدثين من مشاهير سناب شات لا يتميزون بشيء عنا سوى القراءة والاطلاع. وهذا يذكرني بمقولة قالها لنا الدكتور محمد الهاشمي الأستاذ المساعد في كلية الحاسبات بجامعة الملك عبدالعزيز في السنة الثالثة من مرحلة البكالوريوس. حين قال لا يتميز عنكم أولئك الذين يقدمون الدورات وورش العمل التقنية إلا بالقراءة. فهم قرأوا وتعلموا ثم طبقوا. وهذا بالضبط ما يحدث الآن. قلة من يتحدث منهم على أساس علمي متين، وكثير هم من لبسوا جبة الباحث وراحوا في تقليب الحقائق واستخلاص الغرائب من بطون الكتب القديمة وكأنهم جاء بما لم يأت به الأوائل.

السبب الثاني: يكمن في الخشية من داء الفضول وحب الاستطلاع والتعلق بتفاصيل حياة الآخرين. فمشاركة ومشاهدة اليوميات قد يؤدي إلى تكشف جوانب مخفية عنك من حياة أولئك الأشخاص وددت لو بقيت كذلك حتى لا تتغير تلك الصورة الجميلة التي عرفتهم بها.
فمجتمعنا تقليدي بطبعه، وهذا النوع من المجتمعات يمحو الشخصية الفردية للمرء، ويحدد مقاييس السعادة واللذة. وبالتالي فقد كنت ما أشاهده هو يوميات متشابهة لا تخلو من إظهار مظاهر الترف، أو الرغبة في المتعة بحد ذاتها دون هدف أخلاقي أو عملي، أو سعار مادي وهوس نحو الشراء والاستهلاك. وحيث أنه مهما حاول المرء أن يفلت من الحتميات الاجتماعية كما رأى الدكتور عبدالوهاب المسيري فإنه يجد نفسه محاطًا بها، لذا فقد نأيت بنفسي عن الدوران في هذه الأفلاك الفارغة. 


ومن بين هذا الركام المعرفي وقفت مع نفسي قليلاً وقفة صدق وسألتها ما جدوى كل هذا؟ حينها نويت إزالة التطبيق من هاتفي. وحين تنوي، يتحد الكون من أجلك! فقد بعثت لي صديقتي أمل الدباغ بالصورة أعلاه عبر برنامج سنابشات كرسالة تخبرني بمغادرتها النهائية للبرنامج، وتزامن ذلك أيضًا بنشر صديقتي رحاب مقالاً متسائلة فيه هل نحن مجرد أرقام ؟  كل هذا وغيره تتالى علي ليكون بمثابة محفزات لإنهاء مهزلة التخمة المعرفية وشتات الوقت والعقل واستبدال ذلك بما يعود خيرًا ونفعًا.

والآن أكتب بعد انقضاء أكثر من 21 يوم من الابتعاد النهائي عن تطبيق سنابشات، وهي المدة المطلوبة المتعارف عليها لاكتساب عادة أو التخلص من غيرها. يمكنني أن أخبركم الآن أني صرت أكثر تركيزًا واستقرارًا ذهنيًا. فأصبحت أعيش اللحظات مهما كانت دون توثيقها أو الاهتمام بمن شاهدها وانتظار ردات الفعل والتعليقات عليها. كما أني استطعت أيضًا إنجاز أهدافي الشهرية بشكل أسرع وأتقن. والتمتع أكثر بفائضٍ وقتي يمكن استغلاله بشكل جيد.

ودمتم ،،

*** *** ***

نظرة:

"أصبح الفرح هو اللحظات الإنسانية التي يتم فيها استعراض الثروة والتباهي بها وتزداد فيها حدة الصراع الطبقي، بعد أن كان اللحظة الإنسانية التي يتم فيها إسقاط الحدود الإجتماعية مؤقتًا ويتم تقليل حدة الصراع الطبقي ليعبر الجميع عن إنسانيتهم المشتركة"

عبدالوهاب المسيري

GooglePlus Twitter Facebook Email More